الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
146
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] فذلك خاصّ بالإنفاق في الجهاد . وفي الحديث : « من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة وإن همّ بها فعملها كتبها اللّه عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة » . وقرأ الجمهور : عَشْرُ أَمْثالِها بإضافة عَشْرُ إلى أَمْثالِها . وهو من إضافة الصّفة إلى الموصوف ، وقرأه يعقوب - بتنوين عَشْرُ ورفع أَمْثالِها ، على أنّه صفة ل عَشْرُ ، أي فله عشر حسنات مماثلة للحسنة التي جاء بها . ومماثلة الجزاء للحسنة موكول إلى علم اللّه تعالى وفضله . وإنّما قال في جانب السيّئة فلا يجزى إلّا مثلها بصيغة الحصر لأجل ما في صيغته من تقديم جانب النّفي ، اهتماما به ، لإظهار العدل الإلهي ، فالحصر حقيقي ، وليس في الحصر الحقيقي ردّ اعتقاد بل هو إخبار عمّا في نفس الأمر ، ولذلك كان يساويه أن يقال : ومن جاء بالسيّئة فيجزى مثلها ، لولا الاهتمام بجانب نفي الزّيادة على المماثلة . ونظيره قول النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم حين سألته هند بنت عتبة فقالت : إنّ أبا سفيان رجل مسّيك فهل عليّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا ، فقال لها : « لا إلّا بالمعروف » ولم يقل لها : أطعميهم بالمعروف . وقد جاء على هذا المعنى قول النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم ومن همّ بسيّئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة وإن همّ بها فعملها كتبها اللّه سيّئة واحدة » ؛ فأكّدها بواحدة تحقيقا لعدم الزّيادة في جزاء السيّئة . ولذلك أعقبه بقوله : وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ والضّمير يعود إلى مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ . إظهار للعدل ، فلذلك سجل اللّه عليهم بأنّ هذا لا ظلم فيه لينصفوا من أنفسهم . وأمّا عدّ عود الضّميرين إلى الفريقين فلا يناسب فريق أصحاب الحسنات ، لأنّه لا يحسن أن يقال للذي أكرم وأفيض عليه الخير إنّه غير مظلوم . [ 161 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 161 ] قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) استئناف ابتدائي للانتقال من مجادلة المشركين ، وما تخلّلها ، إلى فذلكة ما أمر به الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم في هذا الشّأن ، غلقا لباب المجادلة مع المعرضين ، وإعلانا بأنّه قد تقلّد لنفسه ما كان يجادلهم فيه ليتقلّدوه وأنّه ثابت على ما جاءهم به ، وأنّ إعراضهم لا يزلزله عن الحقّ .